ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني
361
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
( من الحقيقة ) " 1 " أي : الحقيقة المفردة ، وأما الحقيقة المركبة التي هي الكناية فالمجاز ليس أبلغ منها ؛ لاشتراكهما في وجه المبالغة ، فقوله ( والتصريح ) تطويل إلا أن تجعله عطفا تفسيريا للحقيقة ( لأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم ) هذا متفق عليه بين المصنف والسكاكي ؛ لأنه وإن جعل الكناية ذكر اللازم أي : التابع وإرادة الملزوم أي : المتبوع ، لكنه جعلها مشاركة للمجاز في الانتقال من الملزوم إلى اللازم ؛ لأن اللازم ما لم يصر ملزوما لا ينتقل منه . ويرد على كون المجاز أبلغ من الحقيقة أن منه المجاز غير المقيد ، وهو لفظ المقيد المراد به المطلق ، فإنه إذا نظر إلى ما أريد بهذا القبيل من المجاز كان قائما مقام أحد المترادفين ، فكما أن أحد المترادفين إذا أقيم مقام الآخر لم يقصد به معنى آخر ، بل ذلك المعنى بعينه ، فلا يعد مقيدا ، كذلك المشفر إذا أقيم مقام الشفة لم يقصد به إلا تلك الحقيقة ، أعني : العضو المخصوص . وذلك القيد الذي جردت الحقيقة عنه تابع عارض لها ، كأنه بمنزلة أمر خارج عن مفهوم المشفر ، فلا يترتب على قيامه مقام الشفة فائدة ، بخلاف إطلاق الأصابع على الأنامل في يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ " 2 " فإنه يفيد مبالغة ، وكذا إطلاق اليد على القدرة يفيد تصويرها بصورة ما هو مظهر لها . وهذا كلام وقع في البين فلنرجع إلى ما كنا فيه ، والمجاز الغير المقيد لا يكون أبلغ من الحقيقة ، كيف ولا يصدق في حقه ( فهو ) الظاهر فهما ( كدعوى الشيء ببينة ) قال السيد السند في شرح المفتاح في بحث المجاز الغير المقيد : وأيضا في كل من هذين الإطلاقين يعني إطلاق الأصابع واليد دعوى الشيء ببينة كما سيأتي ، وليس ذلك في المشفر الاتحاد المعنى حقيقة ، فيجب أن يحمل المجاز على المجاز المقيد ، وبين كونهما كدعوى الشيء ببينة بأن وجود الملزوم يقتضي وجود اللازم لامتناع انفكاك الملزوم عن اللازم .
--> ( 1 ) أبلغ : أفعل تفضيل يجوز أن يكون مأخوذا من البلاغة بمعناها اللغوي أي أفضل وأحسن ، ويجوز أن يكون مأخوذا من البلاغة على مذهب الأخفش في جواز بناء أفعل التفضيل من الرباعي ، وهو الظاهر من كلام عبد القاهر ، وقد قيل : إن المجاز المرسل لا مبالغة فيه فلا يكون أبلغ من الحقيقة ، والحق أن المجاز المرسل فيه مبالغة أيضا إلا ما كان منه خاليا عن الفائدة . ( 2 ) البقرة : 19 .